وَأَنْتَ مَدَى سُؤْلِي وَغَايَةُ رَغْبَتِي ... وَمَوْضِعُ آمَالِي وَمَكْنُونُ إِضْمَارِي
تَحَمَّلَ قَلْبِي فِيكَ مَالا أَبُثُّهُ ... وَإِنْ طَالَ سُقْمِي فِيكَ أَوْ طَالَ إِضْرَارِي
وَبَيْنَ ضُلُوعِي مِنْك مَالا أَبُثُّهُ ... وَلَمْ أُبْدِ بَادِيَةً لأَهْلٍ وَلا جَارِ
سَرَائِرُ لَا تَخْفَى عَلَيْكَ خَفِيُّهَا ... وَإِنْ لَمْ أَبُحْ حَتَّى التَّنَادِي بِأَسْرَارِي
فَهَبْ لِي نَسِيمًا مِنْكَ أَحْيَا بِرُوحِهِ ... وَجُدْ لِي بِيُسْرٍ مِنْكَ يَطْرُدُ إِعْسَارِي
أَنَرْتَ الْهُدَى لِلْمُهْتَدِينَ وَلَمْ يَكُنْ ... مِنَ الْعِلْمِ فِي أَيْدِيهِمُ عُشْرَ مِعْشَارِ
وَعَلَّمْتَهُمْ عِلْمًا فَبَاتُوا بِنُورِهِ ... وَبَانَ لَهُمْ مِنْهُ مَعَالِمُ أَسْرَارِ
مُعَايَنَةً لِلْغَيْبِ حَتَّى كَأَنَّهَا ... لِمَا غَابَ عَنْهَا مِنْهُ حَاضِرَةَ الدَّارِ
فَأَبْصَارُهُمْ مَحْجُوبَةٌ وَقُلُوبُهُمْ ... تَرَاكَ بِأَوْهَامٍ حَدِيدَاتُ أَبْصَارِ
أَلَسْتَ دَلِيلُ الْمَرْءِ إِنْ هُمْ تَحَيَّرُوا ... وَعِصْمَةُ مَنْ أَمْسَى عَلَى جُرُفٍ هَارِ
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ شُخْرُفٍ فَلَمَّا ثَقُلَ قُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَجِدُكَ فَأَنْشَأَ يَقُول:
وَمَا لِي سوى الإطراق وَالصَّمْتُ حِيلَةٌ ... وَوَضْعِي عَلَى خَدِّي يَدِي عِنْدَ تِذْكَارِي
وَإِنْ طَرَقَتَنِي عَبْرَةٌ بَعْدَ عَبْرَةٍ ... تَجَرَّعْتُهَا حَتَّى إِذَا عِيلَ تِصْبَارِي
أَفَضْتُ دُمُوعًا جَمَّةً مُسْتَهِلَّةً ... أُطْفِئُ بِهَا حَرًّا تَضَمَّنَ أَسْرَارِي
وَلَسْتُ أُبَالِي فَائِتًا بَعْدَ فَائِتٍ ... إِذَا كُنْتَ فِي الدَّارَيْنِ يَا وَاحِدِي جَارِي
أَبُو نُوَاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ 146 - 198 هـ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ أَبُو نُوَاسُ لِي صَدِيقًا فَمَاتَ فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ قَالَ غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا هِيَ تَحْتَ الْوِسَادَةِ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَإِذَا رُقْعَةٌ فِيهَا شِعْرٌ مَكْتُوبٌ وَهُوَ:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً ... فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلا مُحْسِنٌ ... فَمَنِ الَّذِي يَدْعُو وَيَرْجُو الْمُجْرِمُ
أَدْعُوكَ رَبِّ كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا ... فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمن ذَا يرحم