النارُ هنا صارت إنساناً حانقاً على المكذّبين الضّالين، غاضباً عليهم كأشدّ ما يكون عليه المغتاظ من شدّة في النفس، ورغبة في الاستئصال، وحقدٍ يملأ الجوانح، حتى كادت أوصاله تتمزَّق من كثرة الحقد والغيظ، وقوة الغليان، ولقد أجاد أحدُ الباحثين في التعبير عن جمالية هذه الحركة المشخّصة بقوله:"إنّ تشخيص جهنم هو الذي يجعل المشهد حافلاً بالحياة والحركة، فهي مُغيظة محنقة تحاول أن تكظم غيظَها حين أُلقي إليها المجرمون، ولكأنَّ منظرَهم البَشَعَ كان أشدَّ من أن تتحَمّلَهُ، وتصبر عليه، فَتَلقّّتْهُم بألسنة لهبِها وهي تَئِزُّ وتشهَق، وبِمُهلها وقَطِرانها وهي تغلي وتفور، حتى كاد صدرها ينفجر حقداً عليهم، ومقتاً لوجوههم السُّود، فليس في الآية استعارة معقول لمحسوس فقط، وإنّما استُعيرت لجهنم شخصية آدمية لها إنفعالات وجدانية، وخلجات عاطفية، فهي تشهق شهيق الباكين، وهي تغضب وتثور، وهي ذاتُ نفس حادَّة الشعور".
ففي الآية ألوان من الحركة لها دلالاتها الفنية في إثبات الغرض الديني، فهناك حركة الإلقاء التي توحي بضآلة قدر الكفرة على ربّهم، حيث نلمح فيها العنف وعدم المبالاة والمداهمة، وهناك حركة الصوت المتمثل بالشهيق والبكاء للدلالة على إحساس النار بالضيق بالمجرمين وهم في الطريق إليها، وهناك حركة الفوران في إشارة إلى رغبة النار في التوسّع وتطاير شررها، بل إلقاء لهيبها على من حولها، وكلّ هذا يتضافر مع عملية التشخيص التي تمنح"طاقة كبرى على التصور، وتنشئ الكثير من التآلف مع الأشياء، إذ تصعد إلى مرتبة الإنسان سيّد الكون، وهي عملية فنية لا يقصد بها الحقيقة في فن القول، لأنّ هذا يغدو وهماً وإسفافاً، بل تعدّ تجربة محضة تسبغ الطابع البشري على الجمادات والمجردات، لتُعطيهما فاعلية لم تكن تعهد لهما، وحركة قوية عاقلة راقية ليست في الأصل من مستلزماتهما".