يتبيّن لنا ممّا تقدّم أنّ التشخيص في التعبير القرآني يضفي الحياة على الجمادات من خلال بثّ الحركة فيها، وذلك بما تمدّه الألفاظ من انفعال بدلالة الكلمة، ومتعةٍ بجمال حركتها، ومنّ ثمّ دورها في إثارة المتلقي بما تلقي في ذهنه من إيحاءاتٍ تثير الوجدان وتحرّك الخيال، بل تنتقل به من أفقٍ إلى أفقٍ حتى يشعر بغير قليلٍ من الأنس في انتقالاته في عالم مغاير لعالمه المألوف، وادراكاً من القرآن الكريم لحاجة المتلقي الروحية والنفسية إلى هذا الفن الحركي يكثر من استعماله في عديدٍ من آياته البّينات.
*أنماط الحركة ودلالاتها الفنية:
ليست الحركة القرآنية على نمطٍ واحدٍ، بل تنوّعت حسب الموقف الشعوري والسياق الذي ترد فيه، فهي سريعة قوية حيناً، وبطيئة هادئة حيناً آخر، تُعرَض في جانبها المادي البحت مرةً، وتُكتَفى بعرض جانبها النفسي مرةً أخرى، ويختار القرآن لكلّ هذه الأنواع أنسب الألفاظ وأدلّها على المراد حتى تكتسب الحركة في مناسبتها تلك دورَها الإيجابي في إقناع العقل الإنساني إلى جانب جمالياتها التي تستقر بسحرها في الأعماق، ونقتصر الحديثَ في تلكم الأنماط على:
1 -الحركة السريعة والحركة البطيئة
يوظّف الخطاب القرآني الحركةَ السريعة في مقامٍ يتطلب السرعة ويستدعيها، ويكثر ذلك في مشاهد القيامة ومناظرها المرسومة، إذ لم تعد تلك المشاهد موصوفة فحسب، بل عادت حية متحركة تخفق معها قلوب المؤمنين تارةً لما يرون من آياتِ العذاب، ويعاودهم الاطمئنان تارةً أخرى لما يرون من نعيم الله وجزيل ثوابه، من ذلك هذا المشهد الذي يعتمد في تصويره على الحركة السريعة، قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} .