يرِد السعي في مدلوله اللغوي بمعنى المشي السريع، وهو دون العَدْو، وهذه السرعة الملحوظة في حركة السعي تناسب الإسراع بالمؤمنين إلى دخول الجنة أكثر من الحركة التي تتضمنها لفظتا (السير) أو (المشي) ، لما في دلالاتهما من التباطؤ الذي لا ينسجم مع موقف التكريم والترحيب.
ولا يخفى ما تؤديه صيغة المضارع (يسعى) من استحضار الصورة، وكأنها ماثلة أمام الأعين مع أنها موغلة في عمق الغيب، وإنّ الخيال ليرتادُ آفاق الصورة ليتتبَّع حركتها، ثم يرتدّ إلى النفس، فيغمرها بالجلال ويملأها بالاشتياق العارم إلى الجنة.
وممّا هو بهذا السبيل قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم - عليه السلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيْمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} .
إنّ شعور النبي إبراهيم - عليه السلام - بحاجته الماسّة إلى معونة الله دعاه أن يتوجّه إليه بالدعاء، وهو دأب الأنبياء والصالحين، فلقد أسكنَ إبراهيم - عليه السلام - أهله في وادٍ مجدبِ مقفر مجاور للبيت الحرام، وما دعاؤه إلاّ طلب لتأنيس مكانهم بكثرة تردّد الزائرين عليهم، واللافت في النص هو ما تشير إليه لفظة (تهوي) من حركة سريعةٍ مكتظّة بحرارة القلوب التي تكادُ تطير نحو هذا المكان شوقاً ومحبةً، يقول البقاعي (885 هـ) :"تُسرِع نحوهم برغبة وشوق إسراعَ مَنْ ينزل من حالقٍ، وزاد المعنى وضوحاً وأكّده بحرف الغاية الدالّ على بُعدٍ، لأنّ الشيء كلّما بعُدَ مدى مرماه اشتدَّ وقعُه".
وتستمدّ الحركة السابقة سرعتها القصوى من قوة الاستعارة التي تفيدها لفظة (تهوي) ، ولو قيل:"تحِنّ إليهم لم يكن من الفائدة ما في قوله سبحانه: (تهوي إليهم) ، لأنّ الحنين قد يُوصف به من هو مقيمٌ في مكان، والهوّي يفيد انزعاج الهاوي من مستقره".