وتلوح لنا الحركة التي تعتمد على العنصر الصوري في عرضها حينما نتلو قوله تعالى في شأن الكفار: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِيْنَ - كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ - فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} .
يصوّر النص القرآني معنى الإعراض عن الدعوة والنفور من الرسالة السماوية في حركة حمر الوحش التي تفرّ مذعورةً على غير هدىً، وتسرع في عَدْوها إذا أحسّت بأسدٍ يجري خلفها ويريد ملاحقتها، ووصفُ الحمرُ ب - (مستنفرة) دون (نافرة) يدلّ على شدة حركة النفار، و"كأنّها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له وحملها عليه"، والصورة تترك في الذهن شعوراً بالجمال الذي"يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة، تشرد فيه الحُمُر يتبعها قسورة المرهوب"، وذلك بجانب ما تثيره الصورة من السخرية من غباء الكفار الذين يهيمون على وجوههم، لا لأنّهم مهدّدون، بل لأنّ مذكِّراً يذكّرهم بربّهم ويدعوهم إليه.
إنّ الصورة حافلةٌ بالحركة الدؤوبة التي يستمدها الخيال من منظر حمر الوحش في الطبيعة، إذ تهرب من أسد هصور أشد الهروب، وكأنّها تستزيد وتستحثّ على الهرب، والسرعة المرسومة هي المقصودة في الصورة، ذلك أنّها تعكس الإعراض النفسي والتنصّل الداخلي من الدعوة إلى الإيمان، ولعلّ جمالية الصورة تأتي أيضاً من كون الحُمر قطيعاً كُثُراً في مقابل أسدٍ واحد يطاردهم جميعاً، والقارئ يتملّى منظر ملاحقة الوحيد القوي الذي يطوي خطاه وراء القطيع الضعيف، وصيغة الطلب في الاستنفار توحي بأنّهم من شدة الخوف يتسابق بعضهم بعضاً في الفرار من سطوة الأسد المخيف.
وقد تمنح الاستعارةُ الفعليةُ زخماً حركياً فذّاً للصورة الفنية، مثلما ورد في قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} .