والتصوير يُعدُّ من أهم الأساليب التي يسخرها القرآن ويبدع في عرضه بطريقة تفيض بالحركة وتنبض بالحياة، ولقد تنبّه سيد قطب بذوقه الأدبي الرفيع على أنّ التصوير"هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخصٌ حيّ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية"، وإنّ عرض الصورة القرآنية بهذه الروعة والدقة آيةٌ في الإعجاز تثير في الخيال مشاعر متباينة تؤدي دورها المطلوب في شدّ الأعناق واستمالة القلوب، و"قليل من صورالقرآن هو الذي يعرض صامتاً ساكناً - لغرض يقتضي السكون والصمت - أمّا أغلب الصور ففيه حركة مضمرة أو ظاهرة، حركة يرتفع بها نبض الحياة، وتعلو بها حرارتها ... وهي حركة حية مما تنبض به الحياة الظاهرة للعيان، أو الحياة المضمرة في الوجدان"، أي إنّ الحركة قد تتمّ في الخيال لما من شأنه السكون، وقد تكون رصداً لما يتحرّك في الخارج.
فمن الصور القرآنية التي اتخذت الحركة وسيلةً لرسمها قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيْحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} .
يضع النص القرآني حقيقةَ الشرك والانحراف من أفق التوحيد وسمو الفطرة في إطار صورة حركية وبصرية يتملاّها الخيال، وهي صورة من يهوي من علوّ السماء في حركاتٍ سريعة متتابعة، لكنّه لا يقع على الأرض، بل تمزّقه أنياب الطيور الجارحة في لمحة خاطفة، وإذا أخطأته الجوارح فإنّ الريح الشديد تقذف به في عمق الوديان والجبال بعيداً عن الأنظار ليختفي إلى الأبد.