أن ما أطلق منه في معنى ما شرط فيه ، وأحسبه لا يزيل حد القذف عن
واحد لو أقام أربعة غير عدول ، فجعل عددهم لغوا لا يزيل بهم عن
غيرهم حدهم ويجيزهم لأنفسهم في زوال الحد عنهم في جهتين ،
إحداهما: عدم عدالتهم.
والأخرى: إنزالهم - في القذف موضع الشهود ، وهم قذفة بنص
القرآن.
ولو تقصينا الحجج في هذا المعنى لطال الكتاب به ، وفيما ذكرنا كفاية
لمن فهمه ، وبصره رشده ، ووفق رأيه.
فإن قال قائل: فما الدليل على أن حَد القذف حق من حقوق
المقذوف ، ولم يبين الله ذلك في الآية ،
قيل: قد بينه على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث
يقول:"مَن قذف مملوكه وهو بريء مما ت\قال ، جُلِد له الحد يوم"
القيامة"."
فأضاف الحد إليه ، وجعله حقا له.
فإن قال: أفيجوز للإمام أن لايجلده إذا عفا المقذوف عنه بعد علمه به
أم هو مثل المحارب يجب عليه القتل بقتل غيره ، فيعفو وليه من الدم ،
فلا يكون للإمام تركه لعفو الولي عنه ،
قيل: بل عليه أن يجلده عفا المقذوف عنه أو طالب به ، من أجل
أنه وإن كان حقا من حقوقه ، ووجب بسببه فقدِ انتهك محرما لله بين فيه
عقوبة ، ولم يجعل السلطان مفردا فيها له كما جعله لولي المقتول بقتله غير
المحارب حيث يقول: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) ،
وإذا كان الله - تبارك وتعالى - قد أوجب في انتهاك هذا المحرم عقوبة ،
ولم يشترط فيها عفو من جعلها بسببه لم يجز تعطيلها.
ولو أراد المقذوف العفو عن قاذفه من غير أن يجلد ظهره لعفا عنه قبل
أن يأتي به الإمام ، كما له أن يعفو عن سارق ماله ولايأتي به الإمام ليسلم
من القطع كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصفوان في
سارقه:"فهلا قبل أن تأتيني به"، وقال رسول الله - صلى اللًه
عليه وسلم - جملة:"ليس للإمام أن يدع حدا يبلغه إلا أقامه".
والقطع وإن كان من حقوق الله فهو بسبب مال الآدمي الذي ظُلم