وقد كان عدد من قذف عائشة - رضي الله عنها - خمسة رجال
وامرأة ، فجعلهم الله قذفة ولم يجعلهم شهودا فقال:
(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)
فجمع ثم قال: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ(13) ،
وعائشة وإن كانت مباينة لسائر المرميات ، ومبرأة بوحي رب السماوات
فهن أحق بها فيما قال: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ، إذ لو
لم يرد - جل وتعالى - أن يكون ذلك حكمًا في كل مرمية سواها إلى
يوم القيامة لكان - وهو أعلم في تكذيب من رماها - بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)
إلى قوله: (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ(12)
وجاءوا معه فيما قال: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ،
أراد وهو أعلم أن يكون لمن بعدها ، وكان لها فيما تقدم وتأخر كفاية تبرأ به.
فإن قيل: فما الفرق بين القاذف والشاهد في هذا الباب ،
قيل: القاذف من يقول لامرأة: يا زانية ، فترافعه إلى الحاكم ، أو
يقول لرجل: يا زان ، فيطالبه عند الحاكم ، بتصحيح ما رماه فيسأله
الحاكم أربعة شهداء ليحمي به ظهره من جلد القذف ، فإذا جاء بهم
مجتمعين سمع شهادتهم ، وأزال الحد عن القاذف ، وأقام على المقذوف
وحده من جلد مائة في البكر ، والرجم في الثيب.
وإن جاء بأقل من أربعة لم يسمع منهم ، إذ ليس في شهادتهم ما يزيل
الحد عن القاذف ، ولا يوجب الحد على المقذوف.
ولمن علِم صدق قذفه ولم يكن معه ثلاثة يعلمون مثل علمه أن يمتنع
من إقامة الشهادة على المقذوف ، إذ ليس في امتناعه إبطال حق ، ولازوال
ملك ، ولا وجوب حد يحرج بالقعود عنه.
فالعالمِ لا يضمها إلا مع ثلاثة يكون رابعهم ، والحاكم لا يسمع ممن
نقص عن العدد ، فإن جاء بهم مجتمعين سمع منهم ، فإذا بينوا الشهادة