الآية الأولى حيث يقول: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) .
أوليس إن كانت الآية على المنع كما ذهب إليه
ويحتاج إلى النسخ قد أباح فيها للزانية أن تنكح الزاني ، وللزاني أن ينكح
الزانية ، فليست بنا حاجة إلى أن نلتمس إذنه - جل وتعالى - من موضع
سواه.
ولولا صحة الرواية عن ابن المسيب - رضي الله عنه - لكان أرفع قدرًا
عندنا ، وأجل منزلة ، من أن تثبت مثل هذا عليه ، ولكن الإغفال
لحق بكل من عَري من الوحي ولم يؤيد به ، وهو - رضي الله عنه
-قد اجتهد وأخذ ثواب المجتهدين وإن أغفل إصابة المصيبين ، ولا
أعلم رواية وردت أعجب أمرا من هذه أن تكون بتداول تداولها
وتحملها الأكابر والفاضلون وأهل اللغة ، وتدون في المصنفات من
التفاسير وغيرها فيستتر موضع الإغفال فيها عن جماعتهم ، والعجب
للشافعي - رضي الله عنه - مع إغراقه في اللغة ، وهو في
نفسه لغة غير دخيل فيها كيف ذهب إلى قوله
فلو ذهب إلى رواية مجاهد فقد رواها كان أسلم له ، لأن البغايا
قد هلكن كلهن ، وتزويج من يحدث الزنا من النساء بعدهن مباح للزاني
وغير الزاني.
قال محمد بن علي: والذي نقول به - ونسأل الله التوفيق - قول ابن
عباس، لأن أول الآية مبتدأ بالخبر لا بالنهي ، ولو كان نَهيَا كانت
(الحاء) في (يَنكِحُ) موضعين مجزومة لا مرفوعة فكأنه - والله أعلم
-أخبر أن الزاني لا يجامع في زناه إلا زانية مثله ترى الزنا محرمًا كما
يراه ، أو مشركة بربه والزانية لا يصلها إلا زان يرى الزنا محرمًا كما
تراه أو مشركا وله محللاً ، والمؤمنون محرم عليهم فعله محرمين له
ومحللين.
وأصل النكاح في كلام العرِب: الوطء ، ثم يسمى عقد التزويج
به ، لأن الأغلب في عقده أنه لمِ يُسمى به ، ألا ترى أن رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - لما نهى الرجال والنساء أن يتحدثوا بما يكون