إنما قيد بالأفواه مع أن القول لا يكون إلا بالفم لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب ثم يترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولاً يدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله {يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] .
{وَتَحْسَبُونَهُ} أي خوضكم في عائشة رضي الله عنها {هَيّناً} صغيرة {وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ} كبيرة. وجزع بعضهم عند الموت فقيل له في ذلك فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.
(وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(16)
وفائدة تقديم الظرف أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم قدم.
وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات {هذا بهتان} زور تبهت من يسمع {عظِيمٌ} وذكر فيما تقدم هذا إفك مبين، ويجوز أن يكونوا أمروا بهما مبالغة في التبري.
(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(23)
عن ابن عباس رضي الله عنهما: هن أزواجه عليه الصلاة والسلام.
وقيل: هن جميع المؤمنات إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقيل: أريدت عائشة رضي الله عنها وحدها، وإنما جمع لأن من قذف واحدة من نساء النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قذفهن.
(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ(25)
{وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين} لارتفاع الشكوك وحصول العلم الضروري.