إن الحج التزام وانضباط يفوق أيَّ انضباط يعرفه أهل الدنيا في حركة حياتهم ، ففي الحج ترى هذا الإنسان السيد الأعلى لكل المخلوقات كَمْ هو منكسر خاضع مهما كانت منزلته ، وكم هي طمأنينة النفس البشرية حين تُقبِّل حجراً وهي راضية خاضعة ، بل ويحزن الإنسان إذ لم يتمكن من تقبيل الحجر .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ . .} [الحج: 28] يذكروا اسم الله ؛ لأن كل أعمال الحج مصحوبة بذكر الله وتلبيته ، فَمَا من عمل يُؤدِّيه الحاجّ إلا ويقول: لبيك اللهم لبيك . وتظل التلبية شاغله ودَيْدنه إلى أنْ يرمي جمرة العقبة ، ومعنى"لبيك اللهم لبيك"أن مشاغل الدنيا تطلبني ، وأنت طلبتني لأداء فَرْضِك عليَّ ، فأنا أُلبِّيك أنت أولاً ؛ لأنك خالقي وخالق كل ما يشغلني ويأخذني منك .
والأيام المعلومات هي: أيام التشريق .
ومعنى: {على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ . .} [الحج: 28] أي: يشكرون الله على هذا الرزق الوقتي الذي يأكلون منه ويشربون ، ويبيعون ويشترون في أوقات الحج . أو يشكرون الله على أنْ خلقَ لهم هذه الأنعام ، وإنْ لم يحجُّوا ، ففي خَلْق الأنعام - وهي الإبل والبقر والغنم والماعز - وتسخيرها للإنسان حكمة بالغة ، ففضلاً عن الانتفاع بلحمها وألبانها وأصوافها وأوبارها اذكروا الله واشكروه أنْ سخَّرها لكم ، فلولا تسخير الله لها لَمَا استطعتُم أنْ تنتفعوا بها ، فالجمل مثلاً هذا الحيوان الضخم يقوده الطفل الصغير ، وينُيخه ويحمله في حين لم يستطع الإنسان تسخير الثعبان مثلاً أو الذئب .
لذلك يقول تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ . .} [يس: 71 - 72] .