إذن: يمكنك القول بأن البيت وَُضِع حتى قبل آدم ؛ لذلك نُصدِّق بالرأي الذي يقول: إن الملائكة هي التي وضعتْ البيت أولاً ، ثم طمسَ الطوفانُ معالم البيت ، فدلَّ الله إبراهيم بوحي منه على مكان البيت ، وأمره أنْ يرفعه من جديد في هذا الوادي .
ويُقال: إن الله تعالى أرسل إلى إبراهيم سحابة دَلَّتْه على المكان ، ونطقتْ: يا إبراهيم خُذْ على قدري ، أي: البناء .
ولو تدبرتَ معنى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت . .} [البقرة: 127] الرَّفْع يعني: الارتفاع ، وهو البعد الثالث ، فكأن القواعد كان لها طُول وعَرْض موجود فعلاً ، وعلى إبراهيم أنْ يرفعها .
لكن لماذا بوَّأ الله لإبراهيم مكان البيت؟
لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة . .} [إبراهيم: 37] كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة ، الصلاة للإله الحقِ والربِّ الصِّدْق ؛ لذلك أمره أولاً: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ والقآئمين والركع السجود} [الحج: 26] والمراد: طَهِّر هذا المكان من كل ما يُشعِر بالشرك ، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله .
وهل كان يُعقل أنْ يدخل إبراهيم - عليه السلام - في الشرك؟ بالطبع لا ، وما أبعدَ إبراهيمَ عن الشرك ، لكن حين يُرسِل الله رسولاً ، فإنه أول مَنْ يتلقَّى عن الله الأوامر ليُبلِّغ أمته ، فهو أول مَنْ يتلقى ، وأول مَنْ يُنفذ ليكون قدوةً لقومه فيُصدِّقوه ويثقوا به ؛ لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنَجْوة عنه .