لأنهما صادقان ، وليس بمتعارضين ، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن ، لأن إعمال الدليلين معاً أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى ، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين: أن حديث بلال بن الحرث المزني ، وأبي ذر رضي الله عنهما محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة: التحتم والوجوب ، فتحتم فسخ الحج في العمرة ، ووجوبه خاص بذلك الركب ، لأمره صلى الله عليه وسلم لهم بذلك ، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله في حديث جابر: بل للأبد ، محمول على الجواز ، وبقاء المشروعية إلى الأبد. فاتفق الحديثان.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا صوابه في حديث
"بل للأبد"وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين: هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم ، وحمل التأبيد المذكور على المشروعية والجواز أو السنة ، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية ، كما لا يخفى.
واعلم: أن الشافعية والمالكية ، ومن وافقهم يقولون: إن قوله صلى الله عليه وسلم"بل للأبد"لا يراد به فسخ الحج في العمرة ، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج ، وقال بعضهم: المراد به دخول أفعالها في أفعال الحج في حالة القران.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا المعنى الذي حملت عليه المالكية ، والشافعية قول النَّبي لسراقة"بل للأبد"ليس هو معناه ، بل معناه: بقاء مشروعية فسخ الحج في العمرة ، وبعض روايات الحديث ظاهرة في ذلك ظهوراً بيناً لا يجوز العدول عنه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، بل صريح في ذلك.