وقوله: {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} الردم مصدر قولك: رَدَمت الثُّلْمَةَ أَرْدِمُها بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر رَدْمًا، أي: سددتها، والردم أيضًا الاسم، وهو السد المتراكب بعضه على بعض. وهو هنا يجوز أن يكون بمعنى المردوم، من قولهم: ثوب مُرَدَّمٌ، أي مُرَقَّعُ، والرَّدِيمُ: الثوبُ الخَلِقُ، يقال: رَدَمْتُ الثَّوْبَ وَرَدَّمْتُهُ تَرْدِيمًا، فهو ثوب رَدِيمٌ، ومُرَدَّمٌ، وأن يكون بمعنى الرادم، أي: الحاجز، والأول أمتن.
{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) } :
قوله عز وجل: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} قرئ: (آتوني) بقطع الهمزة والمد، بمعنى أَعْطوني ونَاولُونِي زبر الحديد، أي: قطعه، واحدتها زبرة. وقرئ: بوصلها من غير مد، بمعنى: جيئوني بزبر الحديد، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب، كقوله:
410 -أَمَرْتُكَ الخَيْرَ. . . . . . . ... . . . . . . . .
وقوله: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} (ساوى) بمعنى: سَوَّى، يقال: ساويت بينهما، أي: سويت، أي: سوّى ذو القرنين بين الصدفين بما نضد من زبر الحديد. أو بمعنى: عادل، يقال: هذا لا يساوي هذا، أي: لا يعادله، أي: حتى عادل المنضود الصدفين، بمعنى: صار متساويًا لهما.
وقرئ: (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، و: (الصُّدُفَيْنِ) بضمتين، و: (الصُّدْفَيْنِ) بضم الأول وإسكان الثاني، و: (الصَّدُفَيْنِ) بفتح الأول وضم الثاني، وكلها لغات مشهورة في هذه الكلمة. قال أبو الفتح: وهما جبلان متقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما ينفرد بنفسه عن أن يلاقي مثله من الجبال.
وقوله: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} أي: حتى إذا جعل المنفوخ فيه - وهو الحديد - نارًا بالإحماء.
وقوله: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} (قطرًا) منصوب بـ {أُفْرِغْ} دون {آتُونِي} ، والمفعول الثاني للإتيان محذوف، والتقدير: آتوني قطرًا أفرغ عليه قطرًا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، هذا مذهب صاحب الكتاب