أظهرهما: أنه منسوق على «أبْلُغَ» يعني بأحد أمرين: إمَّا ببلوغه المجمع، أو بمضيِّه حقباً.
والثاني: أنه تغييةٌ لقوله «لا أبْرَحُ» فيكون منصوباً بإضمار «أنْ» بعد «أو» بمعنى «إلى نحو» لألزَمنَّكَ أو تَقضِيَنِي حقِّي»؟
فالجَوابُ قال أبو حيان: «فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى أن أمضي زماناً، أتيقَّنُ معه فوات مجمع البحرين» .
قال شهاب الدين: فيكون الفعل المنفيُّ قد غيِّي بغايتين مكاناً وزماناً؛ فلا بدَّ من حصولهما معاً، نحو: «لأسيرنَّ إلى بيتك إلى الظَّهر» فلا بدَّ من حصولِ الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّن فيه فوات مجمع البحرين.
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) }
«فَإِنْ قِيلَ» : انقلاب السَّمكة المالحة حيَّة حالة عجيبة فلما جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النِّسيان في هذا المعنى؟
فالجَوابُ أنَّ يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - كثيراً، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقعٌ عظيم، فجاز حصول النِّسيان.
وهذا الجواب فيه نظرٌ.
قال ابن زيدٍ: أي شيءٍ أعجبُ من حوتٍ يؤكل منه دهراً، ثم صار حيًّا بعدما أكلَ بعضه.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام - على أنَّ العلم لا يحصل ألبتَّة إلا بتعليم الله تعالى، وحفظه على القلب.
وقال البغويُّ: «نَسيَا» تركا «حُوتَهُمَا» ، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النِّسيان إليهما؛ لأنهما جميعاً لمَّا تزوَّداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزَّاد كذا، وإنما حملهُ واحد منهم.