قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَالْجُمْلَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ لِإِبْلِيسَ أَتْبَاعًا وَذُرِّيَّةً، وَأَنَّهُمْ يُوَسْوِسُونَ إِلَى بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا كَيْفِيَّةٌ فِي كَيْفِيَّةِ التَّوَالُدِ مِنْهُمْ وَحُدُوثِ الذُّرِّيَّةِ عَنْ إِبْلِيسَ، فَيَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ.
قُلْتُ: الَّذِي ثَبَتَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الصَّحِيحِ مَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّهُ خَرَّجَ فِي كِتَابِهِ مُسْنَدًا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(لا تكن
أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَبِهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ).
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلشَّيْطَانِ ذُرِّيَّةً مِنْ صُلْبِهِ، والله اعلم.
قال ابن عطية: وقول (وَذُرِّيَّتَهُ) ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْمُوَسْوِسِينَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَحْمِلُونَ عَلَى الْبَاطِلِ.
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ الشَّيَاطِينُ، وَكَانَ يَعُدُّهُمْ: زَلَنْبُورُ صَاحِبُ الْأَسْوَاقِ، يَضَعُ رَايَتَهُ فِي كُلِّ سُوقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَجْعَلُ تِلْكَ الرَّايَةَ عَلَى حَانُوتِ أَوَّلِ مَنْ يفتح وآخر من يغلق.
وثبر صَاحِبُ الْمَصَائِبِ، يَأْمُرُ بِضَرْبِ الْوُجُوهِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ، والدعاء بالويل والحرب.
والأعور صاحب أبواب الزنى.
وَمُسَوَّطُ صَاحِبُ الْأَخْبَارِ، يَأْتِي بِهَا فَيُلْقِيَهَا فِي أَفْوَاهِ النَّاسِ فَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَصْلًا.
وَدَاسِمُ الَّذِي إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ بَصَّرَهُ مِنَ الْمَتَاعِ مَا لَمْ يُرْفَعْ وَمَا لَمْ يُحْسَنْ مَوْضِعُهُ، وَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ أَكَلَ مَعَهُ.