[626] فإن قيل: قال تعالى هنا: وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) [الكهف: 52] أي فلم يجب الأصنام المشركين، فنفى عن الأصنام النطق، وقال تعالى في سورة النحل: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) [النحل: 86] يعني فكذبتهم الأصنام فيما قالوا، فأثبت لهم النطق فكيف الجمع بينهما؟
قلنا: المراد بقوله هنا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) [الكهف: 52] أي نادوهم للشفاعة لكم أو لدفع العذاب عنكم، فدعوهم فلم يجيبوهم لذلك، فنفى عنهم النطق بالإجابة إلى الشفاعة ودفع العذاب عنهم، وفي سورة النحل أثبت لهم النطق
بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم، فلا تناقض بين المنفي والمثبت.
[627] فإن قيل: كيف قال تعالى: (شُرَكائِيَ) [الكهف: 52] وقال في سورة النحل شُرَكاءَهُمْ) [النحل: 86] ؟
قلنا: قوله تعالى: (شُرَكائِيَ) [الكهف: 52] معناه في زعمكم واعتقادكم، ولهذا قال: (شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) [الكهف: 52] وأخرجه مخرج التهكم بهم، كما قال المشركون للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر: 6] وقوله تعالى: (شُرَكاءَهُمْ) [النحل: 86] يعني آلهتهم التي جعلوها شركاء، فإضافتها إلى الله تعالى لجعلهم إياها شركاء، والإضافة تصح بأدنى ملابسة لفظية أو معنوية فصحت الإضافتان.
[628] فإن قيل: كيف قال تعالى: (نَسِيا حُوتَهُما) [الكهف: 61] والناسي إنما كان يوشع وحده بدليل قوله لموسى عليه الصلاة والسلام معتذرا فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) [الكهف: 63] أي قصة الحوت وخبره وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) [الكهف: 63] ؟
قلنا: أضيف النسيان إليهما مجازا، والمراد أحدهما. قال الفراء: نظيره قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح لا من العذب.