[618] فإن قيل: ما فائدة أنا في قوله: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ) [الكهف: 39] ؟
قلنا: أنا في مثل هذا الموضع تفيد حصر الخبر في المخبر عنه، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) [طه: 12] وقوله: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ) [القصص: 30] ونظائره كثيرة.
[619] فإن قيل: ما معنى قوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الكهف: 43] وكذلك كل ما أشبهه مما جاء في القرآن العزيز وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) [مريم: 81] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) [الشورى: 6] وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: 107] وكيف تحقيق معناه؟
قلنا: «دون» يستعمل في كلام العرب بمعنى غير، كقولهم: لفلان مال دون هذا، ومن دون هذا، أي غير هذا. ونظيره قوله تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ) [المؤمنون: 63] أي من غيره، وتستعمل أيضا بمعنى قبل، كقولهم المدينة دون مكة، أي قبلها، ومن دونه خرط القتاد. ولا أقوم من مجلسي دون أن تجيء، ولا أفارقك دون أن تعطيني حقي، وما أعلم أنها جاءت في القرآن العزيز بمعنى قبل بل بمعنى غير فقط.
[620] فإن قيل: كيف قال: (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) [الكهف: 44] يعني في يوم الآخرة أو في يوم القيامة، والولاية بكسر الواو السلطان والملك، وبفتح الواو التولي والنصرة، وكل ذلك لله تعالى في الدنيا والآخرة يعز من يشاء ويذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، ويتولى من يشاء بحراسته وحفظه، فما فائدة تخصيص يوم القيامة؟
قلنا: فائدته أن الدعاوى المجازية كثيرة في الدنيا ويوم القيامة تنقطع كلها، ويسلم الملك لله تعالى عن كل منازع، وقد سبق نظير هذا السؤال في سورة الأنعام في قوله تعالى: (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) [الأنعام: 73] .
[621] فإن قيل: كيف قال تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) [الكهف: 44] أي عاقبة، وغير الله تعالى لا يثيب ليكون الله خيرا منه ثوابا؟
قلنا: هذا على الفرض والتقدير معناه: لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل، ولكانت طاعته أحمد عاقبة وخيرا من طاعة غيره.