واعلم أن فيها إشارة إلى أن الله تعالى خلق الإنسان مركباً من الدنيا والآخرة، ولكل جزء منها ميل وإرادة إلى كله ليتغذى منه ويتقوى ويتكمل به، وإن في جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران، وفي جزئه الأخروي وهو الروح طريق إلى درجات الجنان، وخلق القلب في هذين الجزئين، وله طريق إلى بين إصبعي الرحمن إصبع اللطف وإصبع القهر، فمن يرد الله أن يكون مظهره قهره أزاغ الله قلبه، وحول وجهه إلى الدنيا فيريد العاجلة ويربي بها نفسه إلى أن يبلغه إلى دركات جهنم البعد وتصلى نار القطعية، ومن يرد الله أن يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحول وجهه إلى عالم العلو فيريد الآخرة، {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] وهو الطلب بالصدق {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: 19] بأن طلبه وجده {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم} [الإسراء: 19] في الوجود {مَّشْكُوراً} [الإسراء: 19] من الموجود في الأزل.
ثم أكد هذا التأويل بقوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ} [الإسراء: 20] يعني: أهل الدنيا بأن نحول وجه قلبه إلى الدنيا وزخارفها إظهاراً للقهر، {وَهَؤُلَاءِ} [الإسراء: 20] يعني: أهل الآخرة بأن نحول وجه قلبه إلى الآخرة ودرجاتها، {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 20] ممنوعاً من كلا الفريقين.