وبقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] يشير إلى أن الأعمال الصالحة والفاسدة التي ترقم النفس برقوم السعادة والشقاوة لا يكون لها أثر إلا بقبول دعوة الأنبياء أو بردها، فإن السعادة والشقاوة مودعة في أوامر الشريعة ونواهيها.
{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} [الإسراء: 16] أي: من قرى النفوس {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] وهي النفوس الأمارة بالسوء {فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الإسراء: 16] أي: فخرجوا عن قيد الشريعة، ومتابعة الأنبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} [الإسراء: 16] أي: فوجب لها الشقاوة بمخالفة الشريعة {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16] بإبطال استعداد قبول السعادة إذا صارت النفس مرقومة برقوم الشقاوة والأبدية.
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] أي: أبطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوة الأنبياء {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} [الإسراء: 17] إذا لم يقبلوا دعوة الأنبياء {خَبِيرَاً بَصِيراً} [الإسراء: 17] فإنه المقدر في الأزل والمدبر إلى الأبد أسباب سعادة عباده وأسباب شقاوتهم.
ثم أخبر عن أمارة أهل السعادة والشقاوة بقوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ} [الإسراء: 18] إشارة إلى أن إرادته إنما كانت العاجلة؛ لأنا عجلنا له هذه الإرادة {فِيهَا} [الإسراء: 18] أي: في الدنيا {مَا نَشَآءُ} [الإسراء: 18] أي: بقدر ما نشاء على مقتضى حكمتنا {لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18] أن يكون من أهل الدنيا ومظهر صفة قهرنا {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً} [الإسراء: 18] أي: عذبناه بعذاب صفاته الذميمة في جهنم والبعد والقطيعة {مَّدْحُورا} [الإسراء: 18] مطروداً مهيناً ذليلاً.