ثم أخبر عما قدر للإنسان من الإحسان والخذلان بقوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] يشير إلى ما طار لكل إنسان في الأزل وتعد بالحكمة الأزلية والإرادة القديمة من السعادة والشقاوة ويجري عليه من الأحكام المقدرة، والأحوال التي جرى بها العلم من الخلق والرزق والأجل، ومن صغائر الأعمال وكبائرها المكتوبة له، وهو بعد في العدم وطائره ينتظر وجوده، فلما أخرج كل إنسان من العدم إلى الوجود وقع طائره في عنقه ملازماً له في حياته ومماته حتى يخرج من قبره يوم القيامة وهو في عنقه، وذلك قوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء: 13] أي: ينشر بعدما كان منطوياً، ثم إن كان من أصحاب اليمين أوتي كتابه بيمينه، وإن كان من أصحاب الشمال أوتي كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، ويجوز أن يكون هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها نسخة نسخها الكرام الكاتبون بقلم أعماله في صحيفة أنفاسه من الكتاب الطائر في عنقه، ولهذا يقال: {اقْرَأْ كِتَابَكَ} [الإسراء: 14] أي: كتابك الذي كتبته.
{كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] فإن نفسك مرقومة بقلم أعمالك إما برقوم السعادة أو برقوم الشقاوة {مَّنِ اهْتَدَى} [الإسراء: 15] إلى الأعمال الصالحات {فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ} [الإسراء: 15] فيرقمها برقم السعادة {وَمَن ضَلَّ} [الإسراء: 15] عنها بالأعمال الفاسدة {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] فيرقمها برقوم الشقاوة {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15] أي: لا يرقم راقم بقلم أوزاره نفس غيره برقوم الشقاوة.