وفي قوله: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْر} [الإسراء: 11] إشارة إلى أن من خصوصية الإنسان طلب الدنيا والتلذذ بشهواتها والتفاخر بمالها وجاهها والتمتع بها، وأنه يحب العاجلة ويذر الآجلة، ولهذا قال الله تعالى في وصفه: {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11] وهذا كله شر له وهو عجب أنه خير له وهو ملتمس بالدعاء الشر كما يلتمس أهل الوفاء الخير.
ثم قال: {وَجَعَلْنَا الَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12] أي: ليل البشرية وآياتها قمر القلب، ونهار الروحانية وآياتها شمس شهود الحق وهما يدلان على الوصول {فَمَحَوْنَآ آيَةَ الَّيلِ} [الإسراء: 12] أي: ضوء الروح عن قمر القلب فبقي فيه نور العقل.
{وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] المعنى أن نور القلب وهو العقل يهدي إلى الشرع، وهو شمس شهود الحق، وإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح فإنها مظهرة للحق ومبصرة لها {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [الإسراء: 12] تجلي ذاته وصفاته تبارك وتعالى، وقد اختص الإنسان به دون سائر المخلوقات ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ} [الإسراء: 12] أي: أيام الطلب وامتدادها عند قطع المنازل {وَالْحِسَابَ} [الإسراء: 12] أي: حساب الترقي من مقام إلى مقام {وَكُلَّ شَيْءٍ} [الإسراء: 12] يحتاج إليه السالك {فَصَّلْنَاهُ} [الإسراء: 12] بيناه بالإشارات {تَفْصِيلاً} [الإسراء: 12] تبيناً يبلغ الطالب إلى المطلوب والمحب إلى المحبوب.