لكن الآفة في هذه المسألة أنْ ترى بعض أصحاب العاهات والابتلاءات لا يستر بَلْوَاه على ربه ، بل يُظهِرها للناس ، وكأنه يقول لهم: انظروا ماذا فعل الله بي ، ويتخذ من عَجْزه وعاهته وسيلةً للتكسُّب والترزّق ، بل وابتزاز أموال الناس وأَخْذها دون وَجْه حق.
وفي الحديث الشريف:"إذَا بُلِيتم فاستتروا".
والذي يعرض بَلْواه على الناس هكذا كأنه يشكو الخالق للخَلْق ، ووالله لو ستر صاحب العاهة عاهته على ربه وقبلها منه لساقَ له رزقه على باب بيته. والأدْهَى من ذلك أن يتصنّع الناس العاهات ويدَّعوها ويُوهِموا الناس بها لِيُوقِعوهم ، وليبتزّوا أموالهم بسيف الضعف والحاجة.
نعود إلى قصة موسى وفرعون لنستنبط منها بعض الآيات والعجائب ، وأوّل ما يدعونا للعجب أن فرعون هو الذي ربَّى موسى منذ أنْ كان وليداً ، وفي وقت كان يقتل فيه الذكور من أبناء قومه ، لنعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه ، وأن إرادته سبحانه نافذة. فقد وضع محبة موسى في قلب فرعون وزوجته فقالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [القصص: 9]
فأين ذهب عداوتُه وبُغْضه للأطفال؟ ولماذا أحبَّ هذا الطفلَ بالذات؟ ألم يكُنْ من البديهي أنْ يطرأ على ذِهْن فرعون أن هذا الطفل ألقاه أهله في اليَمِّ لينجو من القتل؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة البديهية على ذِهْنه؟ اللهم إلا قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ..} [الأنفال: 24]
لقد طمس الله على قلب فرعون حتى لا يفعل شيئاً من هذا ، وحال بينه وبين قلبه لِيُبيِّن للناس جهل هذا الطاغية ومدى حُمْقه ، وأن وراء العناية والتربية للأهل والأسرة عنايةُ المربّي الأعلى سبحانه.
لذلك قال الشاعر:إذَا لَمْ تُصَادِفْ مِنْ بَنيكَ عِنَايةً فَقدْ كذبَ الرَّاجِي وَخَابَ المؤملُفمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْريلُ كافِرٌ وَمُوسَى الذِي رَبَّاه فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ.
ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ..} .