{فَأَرَادَ} أي: فرعون. {أَن يَسْتَفِزَّهُم} كلمة"استفزَّ"سبق الكلام عنها في قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ..} [الإسراء: 64] فالاستفزاز هو الإزعاج بالصوت العالي ، يقوم المنَادَى ويخفّ من مكانه ، وهذا الصوت أو هذه الصَّيْحة يُخرجها الفارس أو اللاعب كما نرى في لعبة الكراتيه مثلاً لِيُزعِج الخصم ويُخيفه ، وأيضاً فإن هذه الصيحة تشغَل الخَصْم ، وتأخذ جزءاً من تفكيره ، فيقِلّ تركيزه ، فيمكن التغلُّب عليه. ومن الاستفزاز قَوْل أحدِنا لابنه المتكاسل: فِزْ. أي: انهض وخِفّ للقيام.
إذن: المعنى: فأراد فرعون أنْ يستفزّهم ويخدعهم خديعة تُخرِجهم من الأرض ، فتخلو له من بعدهم ، وهذا دليلٌ على غباء فرعون وتغفيله وحماقته ، فما جاء موسى إلا ليأخذ بني إسرائيل ، كما جاء في قوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16 - 17]
فكأن غباء فرعون أعان القدر الذي جاء به موسى - عليه السلام - ولكن كان لله تعالى إرادة فوق إرادة فرعون ، فقد أراد أن يُخرج بني إسرائيل وتخلو له الأرض ، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يستفزّه هو من الأرض كلها ومن الدنيا ، فأغرقه الله تعالى وأخذه أَخْذَ عزيز مقتدر ، وعاجله قبل أنْ يُنفذ ما أراد.
كما يقولون في الأمثال عند أهل الريف للذي هدَّد جاره بأنْ يحرق غلّته وهي في الجرن ، فإذا بالقدر يعالجه (والغلة لسه فريك) أي: يعاجله الموت قبل نُضْج الغلة التي هدد بحرقها ، فأغرقه الله ومَنْ معه جميعاً.
ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ..} .