ومن ذلك مثلاً العالم الألماني (شاخْت) وقد أصيب بِقصَرٍ في إحدى ساقيْه أعفاه من الخدمة العسكرية مع رفاقه من الشباب ، فأثَّر ذلك في نفسه فصمَّم أنْ يكون شيئاً ، وأنْ يخدُمَ بلده في ناحية أخرى ، فاختار مجال الاقتصاد ، وأبدع فيه ، ورسم لبلاده الخُطّة التي تعينها في السِّلْم وتعويضها ما فاتها في الحرب ، فكان (شاخْت) رجل الاقتصاد الأول في ألمانيا كلها.
ويجب أن نعلم أن التكوين الإنساني وخَلْق البشر ليس عملية ميكانيكية تعطي نماذج متماثلة تماماً ، إبداع الخالق سبحانه ليس ماكينة كالتي تصنع الأكواب مثلاً ، وتعطينا قِطَعاً متساوية ، بل لا بُدَّ من الشذوذ في الخَلْق لحكمة ؛ لأن وراء الخلق إرادة عليا للخالق سبحانه ، ألا ترى الأولاد من أب واحد وأم واحدة وتراهم مختلفين في اللون أو الطول أو الذكاء.. الخ؟!
يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ..} [الروم: 22]
إنها قدرةٌ في الخَلْق لا نهاية لها ، وإبداعٌ لا مثيلَ له فيما يفعل البشر.
وهناك ملْمح آخر يجب أن نتنبه إليه ، هو أن الخالق سبحانه وتعالى جعل أصحاب النقص في التكوين وأصحاب العاهات كوسائل إيضاح ، وتذكُّر للإنسان إذا ما نسى فضْل الله عليه ، لأنه كما قال تعالى: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى { [العلق: 6 - 7]
فالإنسان كثيراً ما تطغيه النعمة ، ويغفل عن المنعم سبحانه ، فإذا ما رأى أصحاب الابتلاءات انتبه وتذكّر نعمة الله ، وربما تجد المبصر لا يشعر بنعمة البصر ولا يذكرها إلا إذا رأى أعمى يتخبَّط في الطريق ، ساعتها فقط يذكر نعمة البصر فيقول: الحمد لله.
إذن: هذه العاهات ليستْ لأن أصحابها أقلُّ مِنّا ، أو أنهم أهوَنُ على الله.. لا ، بل هي ابتلاء لأصحابها ، ووسيلة إيضاح للآخرين لِتلفِتهم إلى نعمة الله.