ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فهذا حسن في البلاغة , ولكنه دون بلاغة القرآن لأنه لا يؤذن بالعدل كما آذنت بلاغة القرآن , وإنما فيه الإيذان براجع الوبال فقط , والاستعارة للثاني أولى من الاستعارة للأول لأن الثاني يحتذى فيه على مثال الأول في الاستحقاق , فالأول بمنزلة الأصل والثاني بمنزلة الفرع الذي يحتذى فيه على الأصل , فلذلك نقصت منزلة قولهم: الجزاء بالجزاء , عن الاستعارة بمزاوجة كلام القرآن.
الثاني من المجانس وهو المناسبة , وهي تدور في فنون المعاني التي ترجع إلى أصل واحد , فمن ذلك قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} [سورة التوبة] فجونس بالانصراف عن الذكر صرف القلب عن الخير , والأصل فيه واحد وهو الذهاب عن الشيء , أما هم فذهبوا عن الذكر , وأما قلوبهم فذهب عنها الخير.
ومنه: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} [سورة النور] فجونس بالقلوب التقلب , والأصل واحد , فالقلوب تتقلب بالخواطر , والأبصار تتقلب في المناظر , والأصل التصرف.
ومنه: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [سورة البقرة] فجونس بإرباء الصدقة ربا الجاهلية , والأصل واحد وهو الزيادة إلا أنه جعل بدل تلك الزيادة المذمومة زيادة محمودة.
باب التصريف
التصريف تصريف المعنى في المعاني المختلفة , كتصريفه في الدلالات المختلفة , وهو عقدها به على جهة التعاقب , فتصريف المعنى في المعاني كتصريف الأصل في الاشتقاق في المعاني المختلفة , وهو عقدها به على جهة العاقبة , كتصريف الملك في معاني الصفات , فصرف في معنى مالك , وملك , ذي الملكوت , والمليك , وفي معنى التمليك , والتمالك , والإملاك , والتملك , والمملوك ,
كذلك تصريف معنى العرض في الأعراض , والاعتراض , والاستعراض , وبالتعرض , والتعريض , والمعارضة والعرض والعروض. وكله منعقد بمعنى الظهور.