وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة , لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها , وإنما أخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة. وذلك أنه ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة , كما ليس في سجع الحمامة إلا الأصوات المتشاكلة , فإذا كان المعنى لما ستكلف من غير وجه الحاجة إليه والفائدة فيه لم يعتد به , فصار بمنزلة ما ليس فيه إلا الأصوات المشاكلة.
والفواصل على وجهين: أحدهما على الحروف المتجانسة والآخر على الحروف المتقاربة , فالحروف المتجانسة كقوله تعالى: {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى} . الآيات. وكقوله: {والطور وكتاب مسطور} الآيات , وأما الحروف المتقاربة فكالميم من النون , كقوله تعالى: {الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} , وكالدال مع الباء نحو: {ف والقرآن المجيد} ثم قال: {هذا شيء عجيب} وإنما حسن في الفواصل الحروف المتقاربة لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد في تمييز الفواصل والمقاطع , لما فيه من البلاغة وحسن العبارة.
وأما القوافي فلا تحتمل ذلك لأنها ليست في الطبقة العليا من البلاغة وإنما حسن الكلام فيها إقامة
الوزن ومجانسة القوافي , فلو بطل أحد الشيئين خرج من ذلك المنهاج وبطل ذلك الحسن الذي له في الأسماع , ونقصت رتبته في الأفهام. والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع , وتحسينها الكلام بالتشاكل وإبداؤها في الآي بالنظائر.
باب التجانس
تجانس البلاغة هو بيان بأنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد في اللغة والتجانس على وجهين , مزاوجة ومناسبة , فالمزاوجة تقع في الجزاء كقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [سورة البقرة] أي جازوه بما يستحق على طريق العدل , إلا أنه استعير للثاني لفظ الاعتداء لتأكيد الدلالة على المساواة في المقدار , فجاء على مزاوجة الكلام لحسن البيان. ومن ذلك: {مستهزئون , الله يستهزئ بهم} [سورة البقرة] , أي يجازيهم على استهزائهم.
ومنه: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [سورة ال عمران] أي جازاهم على مكرهم. فاستعير للجزاء على المكر اسم المكر لتحقيق الدلالة على أن وبال المكر راجع عليهم ومختص بهم. ومنه {يخادعون الله وهو خادعهم} [سورة النساء] أي مجازيهم على خديعتهم , ووبال الخديعة راجع عليهم. والعرب تقول: الجزاء بالجزاء , والأول ليس بجزاء , وإنما هو على مزاوجة الكلام.
قال عمرو بن كلثوم: