والدليل على ذلك في كلاهم. فإنهم قالوا له: أزل عنا هذه الجبال، وأخرق لنا الأنهار في أرضنا، وأوسعها علينا، وأبعث لنا آباءنا مع"قصي"فإن صدقوك وصنعت ما سالنأك صدقناك.
فعلقوا تصديقهم له على شرطين: إزالة الجبال ونحوها، وتصديق الموتى له، ولم يكتفوا بأحد الشرطين. ولا شك أن من له نية في متابعة الحق يكتفي ببعض ذلك. فإن بعد تصديق الموتى له في ذلك لا يبقى إلا العناد.
فلما علم عنادهم لمِ يجبهم إلى ذلك. ولهذا أوحي اللّه
إليه: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .
وكذلك كان. فإنه لم يؤمن من قريش إلا يسير، أول الأمر.
الوجه الثاني: أنه علم باستقراء أحوال الأمم الخالية مع أنبيائهم أنه إن عاجلهم بإظهار الآيات مع ما علمه منهم من العناد، أنهم يهلكون، كما هلك قوم فرعون بعد إظهار موسى آياته وعاد وثمود وغيرهم، وكما مسخ قوم من قوم المسيح: خنازير، لما لم يؤمنوا بعد نزول
المائدة، ونحو ذلك، فأراد التمادي بهم رجاء أن يفيئوا إلى الحق.
وقد جاء في الحديث. أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"خيرت بين أن يجعل اللّه لي الصفا ذهبا ثم إن لم يؤمنوا هلكوا، وبين أن ينظروا حتى أدعوهم إلى الإسلام، فاخترت أن ينظروا"
معنى الحديث هذا، وهو - صلى الله عليه وسلم - كان حريصا على إسلامهم، لا على تعجيل هلاكهم، ولهذا قال الله، سبحانه
-: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) .
أي إلا أن كذب بها الأولون فأهلكناهم، وأنت استأنيت بقومك فأجبناك إلى ذلك.
ولهذا لما آتاهم بعد ذلك بالخوارق كانشقاق القمر، وتسليم الشجر وعجزوا عن معارضة القرآن، ولم يؤمنوا جاءهم العذاب، فاستؤصلوا بالسيف يوم بدر وغيره.
الوجه الثالث: أنهم سألوه ما يسقط فائدة التكليف بالإيمان بالغيب وبيانه أنهم سألوه إحياء الموتى. فلو بعثهم لهم لأخبروهم بصحة ما وعدهم، وأوعدهم من ثواب وعقاب، وجنة ونار، فكان يحصل لهم بذلك العلم الضروري بما هناك فيصير ابمانهم كإيمان فرعون، لما عاين الملك ليقبض روحه.