فلما لم يقل أحد منهم علمنا أنها غفلت فرق ما بين القرآن وبين الإسجاع والأراجيز، ولذلك ضربت صحبها صفحاً ولم يشتغل بها أصلاً، فلذلك اسجاع مسيلمة هذا سبيلها مع ما فيها من المحاكاة والسرقة والهذر، وكل واحد من الحاكي والسارق مستغن بما يأخذه من أعيان ألفاظ المعارض وأوصافه كلامه على معارضته، وإذا كان الملك كذلك، لم تخلص منه المعارضة، وأثار كل واحد من الفعلين ظاهرة في كلام مسيلمة:
فأما المحاكاة فأنه يحاكي نحو قوله عز وجل: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} .
وأما السرقة: فإنه أخذ قوله: (لقد أنعم الله) من قوله الله عز وجل: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ} ، وقوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ} وأخذ قوله: (إذا خرج منها نسمة) من قوله عز وجل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} .
وأخذ قوله: (تسعى) من قوله عز وجل: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ، وأخذ جملة ذلك من قوله عز وجل: {إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} فسرق المعنى كما سرق اللفظ.
ثم قوله: «من بين صفاق وحشا» ولأن الولد لا يكون من بين الصفاق والحشا، وإنما يكون في الرحم، والرحم من الحشا.
وقوله: «لقد أنعم الله على الحبلى إذا خرج منها نسمة تسعى» مع ذلك الكلام مجيد لأن أنعام الله تعالى على الحبلى إنما هو بتقويته إياها على الحمل وتخليصها إذا جاء وقت الولادة من غير بأس، وأما ما عدا هذا فأنه وإن كان انعاماً عليها، فليس ذلك من حيث إنها حبلى، والأنعام على أن المولودين بالوالد أكبر منه على الأم، لأن الولد إليه ينسب، وبه يعرف، وعليه مؤونته وإليه دعوته.
وقوله: «الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل» محاكاة لقوله: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} .
والمحاكاة قريبة المعنى من السرقة، وقد يحاكي الشاعر من ليس بشاعر، فيستوي له ذلك، ولو أراد أن يقول بيت شعر من ذي قبل لما قدر عليه.
وقوله: «ذنب طويل وشعر وثيل» من جملة الأسجاع التي قل أحد أن يعجز عن مثله.
فإن ذلك كالقرآن، فالأسجاع كلها كالقرآن، ومهما بطل أن يكون ما قيل، هذا الكلام معارضة، وثبت أنه محاكاة وسرقة، فقد بطل الإعتداء به.