يرى بعض العلماء القدامى أن هذه الفواتح، مثل: الم، والر، والمص". تشير إلى إعجاز القرآن، بأنه مؤلف من الحروف التي عرفها العرب، وصاغوا منها مفرداتهم، وصاغوا من مفرداتهم تراكيبهم. وأن القرآن لم يغير من أصول اللغة ومادتها شيئاً، ومع ذلك كان القرآن معجزاً؛ لا لأنه نزل بلغة تغاير لغتهم، ولكن لأنه نزل بعلم الله عز وجل، كما يتفوق صانع على صانع آخر في حذقه ومهارته في صنعته مع أن المادة التي استخدمها الصانعان في"النموذج المصنوع"واحدة وفي هذا قطع للحُجة عنهم."
ويؤيد هذا قوله سبحانه وتعالى:
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) (4) .
يعني أن اللغة واحدة، وإنما كان القرآن معجزاً لأمر واحد هو أنه كلام الله، نازل وفق علم الله وصنعه، الذي لا يرقى إليه مخلوق.
الرأي الثاني:
إن هذه الحروف"المُقطعة"التي بدئت بها بعض سور القرآن إنما هي أدوات صوتية مثيرة لانتباه السامعين، يقصد بها تفريغ القلوب من الشواغل الصارفة لها عن السماع من أول وهلة. فمثلاً"الم"في مطلع سورة البقرة، وهي تنطق هكذا.
"ألف لام ميم"تستغرق مسافة من الزمن بقدر ما يتسع لتسعة أصوات، يتخللها المد مد الصوت عندما تقرع السمع تهيؤه، وتجذبه لعقبى الكلام قبل أن يسمع السامع قوله تعالى بعد هذه الأصوات التسعة:
(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (5) .
وإثارة الانتباه بمثل هذه المداخل سمة من سمات البيان العالى، ولذلك يطلق بعض الدارسين على هذه"الحروف"في فواتح السور عبارة"قرع عصى" (6) وهي وسيلة كانت تستعمل في إيقاظ النائم، وتنبيه الغافل. وهي كناية لطيفة، وتطبيقها على هذه"الحروف"غير مستنكر. لأن الله عز وجل دعا الناس لسماع كلامه، وتدبر معانيه، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:
(وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (7) .
الرأي الثالث:
ويرى الإمام الزمخشري أن في هذه"الحروف"سرًّا دقيقاً من أسرار الإعجاز القرآني المفحم، وخلاصة رأيه نعرضها في الآتي: