ثم أكد هذا المعنى بقوله: {ولا تنهرهما} والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره. {وقل لهما} بدل التأفيف والنهر {قولاً كريماً} جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام. وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له:"يا أبتاه"يا أماه"دون أن يسميهما باسمهما. وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء ، تقديم لحق الله على حق الأبوين. قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا ، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ {واخفض لهما جناح الذل} ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك. والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد النزول خفض جناحه ، فصار خف الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع. وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك:"حاتم الجود"فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول. والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال. وقوله: {من الرحمة} في"من"معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس ، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها {و} لكن {قل رب ارحمهما كما ربياني} ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ."