{صَرَّفْنَا} أي: حَوَّلْنا الشيء من حال إلى حال ، ومنها قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ..} [البقرة: 164]
يعني تغييرها من حال إلى حال ، فمرة: تراها سَكْسكَاً عليلة هادئة ، ومرّة تجدها رُخَاءً أي: قوية ، ومرة: تجدها إعصاراً مدمراً. والرياح قد تكون لواقح تأتي بالخير والنماء ، وقد تكون عقيماً لا خير فيها. هذا هو المراد بالتصريف.
فمعنى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ} [الإسراء: 41]
أي: صرف مسألة ادعاء اتخاذ الله الأبناء في القرآن ، وعالجها في كثير من المسائل ؛ لأنه أمر مهم عالجه القرآن علاجاتٍ متعددة في مقامات مختلفة من سُوره ، فتكرر ذِكْر هذه المسألة. والتكرار قد يكون في ذات الشيء ، وقد يكون باللَّف بالشيء ، كما في قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ..} [الرحمن: 13]
وقوله: {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} [الإسراء: 41]
أي: بدلَ أنْ يذكروا ويعودوا إلى جَادّة الصواب ازدادوا إعراضاً ونفوراً. ولنا أن نسأل: لماذا الإعراض والنفور منهم؟
لأنهم أرادوا الاحتفاظ بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام ، ولكي نوضح المقصود بالسلطة الزمنية نقول:
لو درسنا تواريخ القوانين في العالم نجد أن القانون الوضعيّ الذي وضعه البشر لم يَأْتِ أول الأمر ، بل جاء نتيجة تسلُّط الكهنة ، وكانوا هم أصحاب القانون يضعونَه باسم الدين ، ويلزمون الناس به ، ولكن لُوحِظ عليهم أنهم يحكمون في قضية ما بحكم ، ثم بعد فترة يحكمون في نفس القضية بحكم مخالف للأول ، فانصرف الناس عن أحكام الكهنة ، ووضعوا لأنفسهم هذه القوانين الوضعية ، وبذلك أصبح لهؤلاء ما يُسمَّى بالسلطة الزمنية.