قيل: وقد راعى سبحانه في هذا التأكيد دقيقة ، فرتب على الأوّل كونه مذموماً مخذولاً ، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا ، ورتب على الثاني أنه يلقى {فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} وذلك إشارة إلى حاله في الآخرة ، وفي القعود هناك ، والإلقاء هنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة ، وقد تقدّم تفسير الملوم والمدحور.
{أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا} قال أبو عبيدة: {أصفاكم} : خصكم ، وقال الفضل: أخلصكم ، وهو خطاب للكفار القائلين بأن الملائكة بنات الله ، وفيه توبيخ شديد ، وتقريع بالغ لما كان يقوله هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل ، والفاء للعطف على مقدّر ، كنظائره مما قد كررناه.
{إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ} يعني: القائلين بأن لهم الذكر ولله الإناث {قَوْلاً عَظِيمًا} بالغاً في العظم والجراءة على الله إلى مكان لا يقادر قدره.
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا القرءان} أي: بينا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها ، أو كررنا فيه ؛ وقيل.
"في"زائدة ، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن.
والتصريف في الأصل: صرف الشيء من جهة إلى جهة ؛ وقيل: معنى التصريف: المغايرة ، أي: غايرنا بين المواعظ ليتذكروا ويعتبروا ، وقراءة الجمهور {صرّفنا} بالتشديد ، وقرأ الحسن بالتخفيف ، ثم علل تعالى ذلك فقال: {لّيَذْكُرُواْ} أي: ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى يقفوا على بطلان ما يقولونه.