واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفاً - في منع النداء برابطة غير الإسلام. كالقوميات والعصبيات النسبية ، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من وَرائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية. فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام ، ورفض الرابطة السماوية رفضاً باتاً ، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبية قومية ، مدارها على أن هذا من العرب ، وهذا منهم أيضاَ مثلاً. فالعروبة لا ينكم أن تكن خلفاً من الإسلام. واستبدلها به صفقة خاسرة. فهي كما قال الراجز:
بدلت بالجمة رأساً أزعرا... وبالثنايا الواضحات الدردرا
كما اشترى المسلم إذ تنصَّرا... وقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى.
وفقد بين الله جلَّ وعلا في محكم كتابه: أن الحكمة في جعله بني آدم شعوباً وقبائل هي التعارف فيما بينهم. وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره ، وكل قبيلة على غيرها. قال جلَّ وعلاك {يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] فاللام في قوله {لتعارفوا} لام التعليل ، والأصل لتتعارفوا ، وقد حذفت إحدى التاءين. فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} ونحن حين نصرح بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية ، ونقيم الأدلة على منع ذلك - لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبِية لا تمت إلىلإسلام بصلة.
كما نفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب. وقد بين الله جلَّ وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه صلى الله عليه وسلم من منن الله عليه. قال تعالى {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى} [الضحى: 6] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.