فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جلَّ وعلا - عقوبة شديدة تُناسب جريمتهم. فسلبهم التصرف ، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات ، فأجاز بيعهم وشِراءهم ، وغير ذلك من التصرفات المالية ، مع أنه لم يسلبهم خقوق الإنسانية سلباً كلياً. فأوجب على ماليكهم الرفق والإحسان إليهم ، وأن يطعموهم مما يطعمون ، ويكسوهم مما يلبسون ، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون ، وإن كلفوهم أعانوهم. كما هو معروف في السنة الورادة عنه صلى الله عليه وسلم ، مع الإيصاء عليهم في القرآن. كما في قوله تعالى: {واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً وَبِذِي القربى واليتامى} [النساء: 36] إلى قوله {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] كما تقدم.
وتشوف الشارع تشوفاً شديداً للحرية والآخراج من الرق. فأكثر أسباب ذلك ، كما أوجبه في الكفارات من قتل خطأ وظِهار ويمين وغير ذلك. وأوجب سراية العتق ، وأمر بالكتابة في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [النور: 33] ورغب في الإعتاق ترغيباً شديداً. ولو فرضنا - {وَلِلَّهِ المثل الأعلى} [النحل: 60] أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق ، وتشنع في ذلك على دين الإسلام - قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم ، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان ، ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها ، وعدم نفوذ كلمتها ، والحيلولة بينها وبن ما تريده من تنفي أنظمتها ، التي يظهر لها أن بهما صلاح المجتمع ، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة. ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه. فهو أشد سلباً لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل.