لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذاباً في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم، ثم إن الملك أطال عليهم العذاب، فقال سنحاريب له: القتل خير مما تفعل، فأوحى الله إلى شعيا، أن يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فأخبروهم الخبر، فقال له قومه: نهيناك فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم، وكان أمر سنحاريب تخويفاً لبني إسرائيل، ثم كفاهم الله تعالى شرهم تذكرة وعبرة، ثم إن سنحاريب لبث سبع سنين ومات، فاستخلف على ملكه بختنصر، فعمل بعمله واستمر متباعداً عن بني إسرائيل، حتى مات ملكهم، فتنافسوا في الملك، وقتل بعضهم بعضاً، وشعيا ينهاهم فلم يقبلوا، فأوحى الله لشعيا قم في قومك أوح على لسانك، فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي، ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأن بني إسرائيل، الذين رباهم بنعمته، واصطنعهم لنفسه، وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، وضرب الله لهم مثلاً ثم قال: إنه مثل ضربته لهم، يتقربون إلي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا أكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى، والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، وأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي بالبيوت مساجد، ويطهرون أجوافها، وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها، ويزوقون لي المساجد ويزينونها، ويخربون عقولهم وأخلاقهم ويفسدونها، فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها، إنما أمرت برفعها، لأذكر وأسبح، يقولون صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئاب، في كل ذلك لا يستجاب لنا، قال الله: فسلهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم؟ ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المحبين، وأرحم الراحمين؟ فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم، وقلوبهم صياغة إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي؟ أم كيف تزكو عندي صدقاتهم، وهم يتصدقون بأموال غيرهم؟ إنما آجر عليها