فلما رأى طيطوس ثبات أصحاب شمعون مال إلى جهة يوحانان ، ولأنها معتدلة وطيئة ، وأراد أن ينطح السور الثاني ، فناداه رجل اسمه قصطور من فوق السور: أسألك يا سيدي أن تشفق على هذه المدينة والأمر يجري على ما تحب ، فظن طيطوس صدقه فتوقف وشرع يكلمه ، وأطال المراجعة احتيالاً منه ليتمكن أصحابه من إحراق الكبش ، ثم سأله أن يبعث له شخصاً من أصحابه ليتفق معه ، فأرسل إليه شخصاً من وجوه الروم فقال له: اقرب حتى ألقي إليك ما لي ثم انزل ، فألقى عليه صخرة فأخطأته وقتلت رجلاً كان معه ، فغضب طيطوس ودفع الكبش على السور الثاني فانهدم منه قطعة كبيرة ، فاشتد أسف قصطور فقتل نفسه ، وتبادر اليهود فمنعوا الروم من الدخول من الموضع الذي انثلم ، وحاربوهم إلى أن أخرجوهم عن السور الأول وقتلوا جماعة منهم ، واتصلت الحرب بين الفريقين أربعة أيام ، وورد على طيطوس في اليوم الرابع عسكر كبير من أمم مختلفة تعينه على اليهود ، فخرج اليهود على عادتهم فقاتلوهم فلم تكن لهم بهم طاقة فانهزموا ودخلوا إلى الحصن الثالث ، فأمر طيطوس برفع الحرب وكف عنهم خمسة أيام ، وركب في اليوم الخامس وتقدم إلى قرب السور ، فوجد يوحانان وشمعون وأصحابهما قد خرجوا من المدينة ليحرقوا الكبش ، فابتدأهم طيطوس بالسلام وخاطبهم بالجميل والملاطفة وقال: قد رأيتم ما جرى من هدم هذين السورين ، وليس يتعذر هدم السور الثالث ، وقد علمتم أنكم ما انتفعتم في هذه المدة بما فعلتموه ، وكذلك لا تنتفعون أيضاً بدوامكم على ما أنتم عليه من اللجاج في مخالفتنا.
فارجعوا عن ذلك قبل أن أهدم هذا السور الباقي ، وأستبيح المدينة ، وأخرب الهيكل ، ولست أختار ذلك ولا أريده ، فإن رجعتم إلى طاعتنا كنا لكم على أفضل ما عهدتموه منا ، ودامت لكم السلامة ، وزال عنكم ما أنتم فيه من المكروه.