1 -فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، وأنه رؤيا منام ، مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء حق ، ووحي .. وإلى هذا ذهب معاوية ، وحكى عن الحسن (البصري) - والمشهور عنه خلافه - وإليه أشار محمد بن إسحاق .. وحجتهم قوله تعالى: « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ » وما حكوه عن عائشة رضى اللّه عنها من قولها: « ما فقد جسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » .
2 -« وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد ، وفى اليقظة ..
وهذا هو الحق. وهو قول ابن عباس ، وجابر ، وأنس ، وحذيفة ، وعمر ، وأبى هريرة ، ومالك بن صعصعة ، وأبى حية البدري ، وابن مسعود ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن المسيب ، وابن شهاب ، وابن زيد ، والحسن ، وإبراهيم ، ومسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن جريج .. وهو قول الطبري ، وابن حنبل ، وجماعة عظيمة من المسلمين .. وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدّثين ، والمتكلمين ، والمفسرين.
3 -وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة ، إلى بيت المقدس ، وإلى السماء بالروح ، واحتجوا بقوله تعالى: « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى » فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء ، الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة ، والتمدح بتشريف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم به ، وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه .. قال هؤلاء: « ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد عن المسجد الأقصى ، لذكره ، فيكون أبلغ فِي المدح. »
وبعد أن انتهى القاضي عياض من عرض هذه الآراء ، عرض رأيه هو ، فرجح جانب القول بأن الإسراء كان بالروح والجسد معا .. فقال:
« والحق من هذا ، والصحيح إن شاء اللّه ، أنه إسراء بالروح والجسد فِي القصة كلها - أي الإسراء والمعراج - وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار ...