وليس حال أدعى من هذه الحال، للخروج من هذا الجوّ الثقيل الخانق، إلى جوّ آخر، فيه راحة للصدر واسترواح للنفس! ولكن: إلى أين المذهب والنبيّ قائم على دعوة السماء، موجه برسالتها؟
إنه لا مفرّ للنبيّ - إن أراد أن يظل فِي سجل الأنبياء - من أن يثبت فِي موقفه، لا يزايله، ولا يتحول عنه أبدا، وإن هلك! وقد قالها رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - لعمّه أبى طالب، حين دعاه عمّه إلى أن يترك ما هو فيه، ويلقى قومه بالموادعة، حتى لا تتمزّق وحدة قريش، ويقتل بعضها بعضا، فقال قولته الخالدة: «واللّه يا عمّ لو وضعوا الشّمس فِي يمينى ولقمر فِي بسارى على أن أترك هذا الأمر ما تركته، أو أهلك دونه» !
ولكن .. ها هي ذي الأحداث تزداد شدة، والشر يشتد اشتعالا، فتأتمر قريش فيما بينها على أن تكون جبهة واحدة فِي وجه النبي، ومن يقف إلى جواره من قومه ..
وقد أبت العصبية العربية على بنى هاشم، وبنى عبد المطلب - رهط النبي الأدنين - أبت عليهم العصبية العربية، أن يتخلوا عن النبي، وأن يسلموه لقريش، تنال منه، وتستبد به! وكان من هذا أن عمدت قريش إلى مقاطعة بنى هاشم، وبنى عبد المطلب، وعقدت فيما بين بطونها وأفخاذها عهدا، على ألا يتعاملوا مع بنى هاشم، وبنى عبد المطلب، فلا يزوّجوهم، ولا يتزوجوا منهم. ولا يأخذوا منهم أو يعطوهم.
بل إنها القطيعة التامة فِي كل شيء بتواصل الناس به.