الخامس: جملة الأقوال في الإسراء والمعراج ، على ما حكاه ابن القيم في"زاد المعاد"ستة: بروحه وجسده وهو الذي صححوه ، وقيل: كان ذلك مناماً ، وقيل: بل يقال أسري به ولا يقال يقظة ولا مناماً ، وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظة وإلى السماء مناماً ، وقيل: كان الإسراء مرتين ، مرة يقظة ومرة مناماً . وقيل: بل أسري به ثلاث مرات . وكان ذلك بعد البعث بالاتفاق . وأما ما وقع في حديث شريك أن ذلك قبل أن يوحى إليه ، فقيل: هو غلط ، وقيل: الوحي هنا مقيد وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة . والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء ، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام ، وقد قدمنا أن عائشة ومعاوية والحسن ، نقل الأكثرون عنهم ؛ أنها رؤيا منام . وكذا حكى ابن جرير عن حذيفة ، إلا أن ابن القيم نبه على دقيقة غريبة . قال - رحمه الله: نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده . ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك . ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً ، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده . وبينهما فرق عظيم . وعائشة ومعاوية لم يقولا كان مناماً ، وإنما قالا: أسرى بروحه ولم يفقد جسده . وفرق بين الأمرين . فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة . فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء ، أو ذهب به إلى مكة وأقطار الأرض ، وروحه لم تصعد ولم تذهب . وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال . والذين قالوا عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان: طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه . وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه . وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناماً . وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري بها وعرج بها حقيقة . وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماء سماء ، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة ،