وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: إذا دعا الله الخلائق للبعث يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. وقال غيره وهم يقولون: الحمد لله الذي صدقنا وعده، فعلى هذا تكون الباء بمعنى مع كما في قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: 20] وقوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [طه: 130] .
[597] فإن قيل: كيف أجمل ذكر الأنبياء كلهم بقوله: (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) [الإسراء: 55] ثم خص داود بالذكر فقال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) [الإسراء: 17] .
قلنا: لأنه اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الأنبياء، وهو الرسالة والكتابة والخطابة والخلافة والملك والقضاء في زمن واحد، قال الله تعالى: (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) [ص: 20] وقال: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) [ص: 26] .
الثاني: أن قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ إشارة إلى تفضيل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً دلالة على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم؛ لأن ذلك مكتوب في زبور داود عليه الصلاة والسلام، وإليه الإشارة بقوله تعالى:(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: 105] يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم وأمته.
[598] فإن قيل: لم نكر الزبور هنا وعرفه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) [الأنبياء: 105] ؟
قلنا: يجوز أن يكون الزّبور من الأعلام التي تستعمل بالألف واللام وبغيرهما كالعباس والفضل والحسن ونحوها.
الثاني: أنه نكره هنا لأنه أراد وآتينا داود بعض الزبور وهي الكتب.
الثالث: أنه نكره لأنه أراد به ما ذكر فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الزبور، فسمى ذلك زبورا؛ لأنه بعض الزبور، كما سمى بعض القرآن قرآنا، فقال تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ) [الإسراء: 106] الآية، وقال: (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) [يوسف: 3] وأراد به سورة يوسف عليه السلام، وقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) [الإسراء: 78] أي القرآن المتلو في صلاة الفجر.