قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي - وَفَّقَهُ اللَّهُ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُجَاهِدِ نَفْسَهُ، الرَّائِضِ بِزِمَامِ الشَّرِيعَةِ خُلُقَهُ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَمُعَاطَاتِهِ، وَمُحَاوَرَاتِهِ، فَهُوَ عُنْصُرُ الْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَرَوْضَةُ الْآدَابِ الدِّينِيَّةِ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِيَتَأَمَّلَ هَذِهِ الْمُلَاطَفَةَ الْعَجِيبَةَ فِي السُّؤَالِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، الْمُنْعِمِ عَلَى الْكُلِّ، الْمُسْتَغْنِي عَنِ الْجَمِيعِ، وَيَسْتَشِيرَ مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، وَكَيْفَ ابْتَدَأَ بِالْإِكْرَامِ قَبْلَ الْعَتْبِ، وَآنَسَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ إِنْ كَانَ ثَمَّ ذَنْبٌ. وَقَالَ - تَعَالَى -: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 74] الْآيَةَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: عَاتَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - بَعْدَ الزَّلَّاتِ، وَعَاتَبَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وُقُوعِهِ، لِيَكُونَ بِذَلِكَ أَشَدَّ انْتِهَاءً، وَمُحَافَظَةً لِشَرَائِطِ الْمَحَبَّةِ، وَهَذِهِ غَايَةُ الْعِنَايَةِ. ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ بِثَبَاتِهِ، وَسَلَامَتِهِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا عَتَبَهُ عَلَيْهِ، وَخِيفَ أَنْ يَرْكَنَ إِلَيْهِ، فَفِي أَثْنَاءِ عَتْبِهِ بَرَاءَتُهُ، وَفِي طَيِّ تَخْوِيفِهِ تَأْمِينُهُ وَكَرَامَتُهُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ [الْأَنْعَامِ: 33] الْآيَةَ. اهـ (الشفا بتعريف حقوق المصطفى. ص: 130 - 131) .
وقال الثعالبي: