هذه السورة بهذه الموضوعات التي ذكرتها من بدايةٍ بتسبيح ونهاية بتحميد لله عز وجل وتكبير، وما بينهما من عرضٍ لمسائل العقيدة وأركانها المهمة، مع تفصيلٍ في مسألة الرسالة ومصداقية الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرها من العناصر الأخرى في العقيدة، بهذه الموضوعات صار لها هدفٌ عظيم، حين نلاحظ اسمها وهو الإسراء واسمها أيضاً بني إسرائيل، فالإسراء هو المشي بالليل، بينما يسمى المشي في الصباح الباكر غُدواً، غدا فلانٌ أي: انطلق في الصباح الباكر، ويسمى المشي في الظهيرة وحر الشمس تهجير، هجَّر فلانٌ أي مشى ظهراً، ويسمى المشي آخر النهار رواحاً"وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ"أي حين تعودون بها إلى بيوتكم وحين تسرحون بها في الصباح، بالأنعام، منظرٌ جميلٌ رائع لمن كان يفهم في الجمال [6] ، والفلاح يفرح بأنعامه أيضاً في هذين الوقتين حين تريحون وحين تسرحون، فالمشي بالليل يقال له إسراء، ولذلك يُقسم الله بالليل فيقول"وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ"يعني يُسرى فيه ويُمشى فيه، والماشي بالليل أحبتي الكرام وخاصةً في الليل القديم الذي نزل فيه القرآن أو نزل عليه القرآن، يمشي في ليلٍ مظلمٍ دامسٍ ظلمات بعضها فوق بعض، لا يكاد يرى الأشياء ويميزها ولا يعرف طريقه من غيره، فالماشي في الليل بنفسه برأيه يضل طريقه لا محالة، ويتخبط هنا وهناك، وربما تعرض للآفات الليلية والمشكلات الصعبة التي تضره وتقطع طريقه، ما بالك إذا كان يمشي في الليل بنورٍ من الله، تنكشح كل الظلمات، وتضيء كل الطرقات، وتبعد عنه كل الآفات، ويهتدي في طريقه إلى هدفه وصوابه، وخذ على ذلك مثالاً من واقع السورة فإن أولئك الكافرين الذين كانوا يكذبون الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، يعرفونه بأخلاقه كما يعرفون أبناءهم وأكثر، كما يعني كتمييزهم لأبنائهم دون الأبناء الآخرين، يميزونهم بوضوح، كذلك كانوا يميزون شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الشخصيات، وبعد أربعين سنةً من الصدق والأمانة والخُلُق العظيم يقولون عنه الآن مفترٍ وكذاب وساحر وكاهن وغير ذلك، إذاً هؤلاء كأنهم ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شبحاً في