كتب الله الصيام على العباد وحرم عليهم بعضاً مما أحله لهم في نهار الصيام ومما حرمه عليهم مقارفة زوجاتهم نهاراً في شهر الصيام وشدد على من أقترف ذلك ووقع أحد المسلمين في مقارفة أهله في نهار رمضان مع علمه بالحرمة، ولما قضى وطره استيقظ بصره وبصيرته وأنب ضميره وسعى لترك ما وقع فيه وعزم على التوبة مما جرى فتوجه فوراً إلى الرباني العظيم محمد - صلى الله عليه وسلم - ليستجلي منه الأمر إزاء ما اقترفه وجاء إليه وهو مقر بما اقترفه عالماً بعقوبة جرمه تائباً خائفاً مصرحّاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - بما حدث منه من مجامعة أهله في نهار رمضان مبيناً وقوعه في سبب هلاكه وهلاك زوجته لأنه ربما أنه أرغمها على ذلك أو أنهما تراضيا عليه فإن أرغمها فقد تصور أنها هالكة معه وإن كانت قد رضيت فربما أنه مهد لها هو فكان سبب هلاكها معه.
فما الذي حدث: لقد تقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمر بهدوء دون تشنج وإنما بين له ما الذي يجب عليه من الكفارة ونقله من الأعلى إلى الأدنى وفي كل ذلك يعتذر الرجل بعدم القدرة ويأمره الرسول - صلى الله عليه وسلم بالجلوس لعله يجد له ما يبرئ به ذمته ويكفر به عن خطيئته وخلال هذا الجلوس جرت الأريحية والأمن في دم الرجل الذي جاء في أول وقته قلقاً خائفاً خائراً يندب حظه ويخاف عقاب ربه ويسأل عما يجب أن يفعله، دب الأمن في قلبه وجرى الهدوء في روعه من حسن الحكمة التي اتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم في تهدئته ولم يمكث كثيراً حتى جاء أحد المسلمين بزنبيل كبير فيه تمر يكفي لستين مسكيناً فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجل وقال له خذ هذا التمر وكفر به عن خطيئتك، لكن الرجل وبعد أن ذهب عنه الروع أحب أن يعود بالتمر لأهله لأن الإسلام دين رحمة وعطاء فجرأه ذلك على أن يضع حاله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصورة حصرية، بأنه أحوج من بالبلد، ومن هنا ضحك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تعجبا من هذا الذي جاء هارباً خائفاً في أول أمره ثم لما ذهب عنه الروع أراد أن يعود محملاً بالتمر إلى أهله.