وهنا لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم على لعن هذا المسلم، رغم مقارفته لأم الخبائت، وظهور إصراره عليها وإدمانه لها، وقال للاعنه: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.
وفي رواية: لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم!
فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذا القلب الكبير كيف وسع هذا الإنسان وأحسن به الظن، رغم تلطخه بالإثم! وكيف لمح كوامن الخير في أعماقه، برغم ظواهر الشر على غلافه! فوصفه بأنه"يحب الله ورسوله"ولهذا نهى عن لعنه، لأن هذا يحدث فجوة بينه وبين إخوانه المؤمنين، فيبتعد عنهم، ويبتعدون عنه، وهنا يقترب منه الشيطان، وهذا من أسرار قوله"لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم"ولم يفصم عروة الأخوة بينه وبينهم، بسبب المعصية، وهي كبيرة تكررت، لأن أصل الإسلام يجمعهم به، ويجمعه بهم.
فليفقه هذه النظرة النبوية العميقة، وهذه التربية المحمدية العالية، أولئك الذين يسيئون الظن بجمهور الناس، ويسقطون عصاتهم من الحساب، وليتعلم من هذا الدرس المنزلقون إلى بدعة التكفير بالمعاصي، فلو فقهوا وتأملوا، لعلموا أن الذين يكفرونهم ليسوا مرتدين يجب أن يقتلوا، بل جاهلين بحقيقة الدين يجب أن يعلموا، أو متورطين في المعصية بتأثير صحبة السوء وبيئة السوء يجب أن ينقذوا، أو غافلين عن الآخرة بمشاغل الدنيا يجب أن ينبهوا ويذكروا، والذكرى تنفع المؤمنين.
إن لعن الناس ولو كانوا عصاة منحرفين، لا يصلحهم ولا يقربهم من الخير، بل هو أحرى أن يبعدهم عنه، وأولى من هذا الموقف السلبي أن تتقدم من أخيك العاصي، فتدعوه أو تدعو له، ولا تدعه فريسة للشيطان .. وقد قال الحكيم: بدل أن تلعن الظلام أضئ شمعة تنير الطريق!
هذا ما أردت أن أنصح به لأبنائي من شباب الإسلام المتوقد، الذين أكن في قلبي أعمق الحب لهم، وأعظم الاشفاق عليهم، ولا أقول إلا ما قال خطيب الأنبياء، شعيب عليه السلام: (( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أُنيب ) ) (هود: 88) . انتهى انتهى {الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، للدكتور/ يوسف القرضاوي} ...