الساجدون على ضربين:
أحدهما: مَن يعقل ، فسجوده عبادة.
والثاني: مَن لا يعقل ، فسجوده بيان أثر الصَّنعة فيه ، والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق ، هذا قول جماعة من العلماء ، واحتجوا في ذلك بقول الشاعر:
بِجَيْشٍ تضِلُّ البُلْق في حَجَراتِهِ ...
تَرىَ الأُكْمَ فيه سُجَّداً لِلْحَوافِرِ
قال ابن قتيبة: حَجَرَاتُهُ ، أي: جوانبه ، يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأُكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت.
فأما الشمس والقمر والنجوم ، فألحقها جماعة بمن يعقل ، فقال أبو العالية: سجودها حقيقة ، ما منها غارب إِلاَّ خَرَّ ساجداً بين يدي الله عز وجل ، ثم لا ينصرف حتى يُؤذَن له ، ويشهد لقول أبي العالية ، حديث أبي ذر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس ، فقال:"يا أبا ذر! تدري أين ذهبت الشمس"قلت الله ورسوله أعلم ، قال:"فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربّها عز وجل ، فتستأذن في الرجوع ، فيؤذَن لها فكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جِئتِ ، فترجع إِلى مطلعها فذلك مستقرها"
، ثم قرأ: {والشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرٍّ لها} [يس: 38] أخرجه البخاري ومسلم.
وأمّا النبات والشجر ، فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء.
أحدها: أن يكون سجوداً لا نعلمه ، وهذا إِذا قلنا: إِن الله يُودِعه فهماً.
والثاني: أنه تفيُّؤ ظلاله.
والثالث: بيان الصنعة فيه.
والرابع: الانقياد لما سُخِّر له.
قوله تعالى: {والملائكة} إِنما أخرج الملائكة من الدوابّ ، لخروجهم بالأجنحة عن صفة الدبيب.
وفي قوله: وهم لا يستكبرون.
يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون قولان:
أحدهما: أنه من صفة الملائكة خاصة ، قاله ابن السائب ، ومقاتل.
والثاني: أنه عامّ في جميع المذكورات ، قاله أبو سليمان الدمشقي.
وفي قوله: {من فوقهم} قولان ذكرهما ابن الأنباري.