وقوله: {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} مستأنف، لوقوعه بعد القول، وهكذا كل ما اقتضى جوابًا وذكر جوابه ثم أتى بعده (قال) فهو مستأنف. و {أَنَا} هنا يحتمل أن يكون فصلًا، وأن يكون مبتدأ.
وقوله: {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الابتئاس: افتعال من البؤس، وهو سوء العيش، يقال: ابتأس ابتئاسًا، إذا حزن. و (ما) تحتمل
أن تكون موصولة، أي: فلا تحزن بما كانوا يعملونه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير. وأن تكون مصدرية، أي: بعملهم بنا. والابتئاس، والاكتئاب، والاغتمام نظائر في اللغة.
{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) } :
قوله عز وجل: {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} قيل: السقاية كانت مَشْرَبَةً يَشْرَبُ منها الملِكُ جعلها يوسف مكيالًا، لعزة الطعام، ولئلا يقع في الكيل بخس. والصِّواعُ: هو هذه المشربة التي جعلها يوسف صاعًا، والكلام يأتي عليه آنفًا إن شاء الله تعالى.
وقوله: {أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي: نادى مناد، يقال: آذنه، إذا أعلمه، وأذن: أكثر الإعلام منه، ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه.
وقوله: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ} العير: بالكسر الإبل التي تحمل الميرة لأنها تَعير، أي: تذهب وتجيء، من قولهم: عار الفرس، إذا انفلت وذهب هاهنا وههنا من مرجه، وأعاره صاحبه فهو مُعار. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلةٍ: عِير، كأنها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصلها فُعْل كسَقفٍ وسُقفٍ فُعِلَ به ما فُعِلَ ببيض وعير، والمراد أهل العير، كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، وأنث {أَيَّتُهَا} لأنه جعلها للعير. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قرأ: (وَجَعَلَ السّقَايَةَ) بالواو على حذف جواب لما، كأنه قيل: فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم
لسارقون] أمهلهم حتى ارتحلوا وانطلقوا وأمعنوا، ثم أمرهم فأُدركوا وحُبِسوا، ثم نادى منادٍ.