قوله عز وجل: {فَيَسْقِي رَبَّهُ} الجمهور على فتح الياء وكسر القاف على البناء للفاعل، يقال: سقيت فلانًا الماء، إذا ناولته فشرب، أو كان من يدك إلى فيه، وأسقيته، إذا جعلت له شِرْبًا. وقيل: هما لغتان بمعنى، وقد جمعهما لبيد في قوله:
335 -سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى ... نمَيْرًا والقَبَائِلَ مَنْ هِلالِ
وقرئ: (فَيُسْقَى رَبُّهُ) بضم الياء وفتح القاف على البناء للمفعول أي: يُسقى ما يُرْوَى به.
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) } :
قوله عز وجل: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ} ، القائل هو يوسف عليه السلام، وكذلك الظان إن كان تأويله بطريقة الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الساقي، أو يكون الظن بمعنى العلم واليقين، أي: علم وأيقن أن الساقي ناجٍ، أي: متخلص من الهلاك.
وقوله: {مِنْهُمَا} في موضع رفع على النعت لـ {نَاجٍ} أو نصب على الحال من المنوي فيه، وهو في كلا التقديرين متعلق بمحذوف، أي: كائن أو كائنًا منهما، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بناج كما زعم بعضهم، لفساد المعنى، لأنه يقتضي أن يكون ليس منهما، كقوله: {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
وقوله: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} أيّ: صفني عند سيدك - يعني الملك الأكبر - بصفتي، وقُصَّ عليه قصتي.
وقوله: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} فيه وجهان:
أحدهما: فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره وهو الساقي، يعضده قوله - صلى الله عليه وسلم:"رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس".
والثاني: فأنسى الساقي ذكر ربه، أي أن يذكره لربه.
وقوله: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} قال الأصمعي: البضع: ما بين الثلاث إلى التسع. وقيل: مابين الثلاث إلى السبع. وقيل: إلى الخمس، والوجه هو الأول عند أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق.
والبِضع والبَضْعة، القطعة من الشيء، ومنه بَضَعْتُ اللحمَ بَضْعًا، أي: قطعته.