فإذا فهم هذا، فـ {أَحْسَنَ} على الوجه الأول: مفعول به، أي: نتلو عليك أحسن الحديث، وعلى الثاني: منصوب على المصدر لإضافته إليه، أي: نبين لك أحسن البيان، ونتلو عليك أحسن التلاوة، ويكون المقصوص على هذا الوجه محذوفًا دل عليه قوله: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} و (ما) مصدرية، أي: بإيحائنا إليك. و {هَذَا} مفعوله. و {الْقُرْآنَ} ، منعت أو عطف بيان له.
وأجاز أبو إسحاق جره على البدل من (ما) ، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن. ورفعه على إضمار مبتدأ، أي: هو، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ بهما، لأنَّ القراءة سنة متبعة ولم تثبت بهما رواية.
والباء من {بِمَا} من صلة {نَقُصُّ} .
وقد جوز نصب {هَذَا} بـ {نَقُصُّ} كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك. والوجه هو الأول لسلامته من تغيير النظم.
وقوله: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (إنْ) مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بين إنْ المخففة وبين إنْ النافية، والضمير في قوله: {مِنْ قَبْلِهِ} للإيحاء، أي: وإن الشأن والحديث كنتَ من قبل إيحائنا إليك هذا القرآن لمن الغافلين عنه، أي: لمن الجاهلين به، كقوله: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} .
وما ذكرتُ من أنَّ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة مذهب أهل البصرة، وهي عند أهل الكوفة: النافية بمعنى (ما) ، واللام بمعنى إلَّا، وقد ذُكر فيما سلف من الكتاب.
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) } :
قول عزَّ وجلَّ: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ} (إذ) في موضع نصب بإضمار فعل، أي: اذكر إذ قال. وقيل: هو ظرف لقوله: {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} . وقال أبو
إسحاق: هو معمول (نقص) . وليس بشيء، لأنَّ الله تعالى لَمْ يقص في ذلك الوقت، اللهم إلَّا إذا جعله بدلًا من {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} وهو بدل الاشتمال، لأنَّ الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص على أحد الوجهين، فإذا قص وقته فقد قص، وهذا قول الزمخشري.