قُلْنَا: قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّهُ لَمْ يُعْطِ الِاسْتِرْجَاعَ أُمَّةً إِلَّا هَذِهِ الْأُمَّةَ فَأَكْرَمَهُمُ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ.
وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّا لِلَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّا مَمْلُوكُونَ للَّه وَهُوَ الَّذِي خَلَقَنَا وَأَوْجَدَنَا، وَقَوْلَهُ: (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْحَشْرِ وَالْقِيَامَةِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنَّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَمَنْ عَرَفَ عِنْدَ نُزُولِ بَعْضِ الْمَصَائِبِ بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَاقِبَةِ مِنْ رُجُوعِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى، فَهُنَاكَ تَحْصُلُ السَّلْوَةُ التَّامَّةُ عِنْدَ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ باللَّه غَيْرَ عَارِفٍ بِذَلِكَ.
(قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ(85)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ حَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ قَطْعًا؟
قُلْنَا: إِنَّهُمْ بَنَوْا هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ قوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ) مَنْ هُمْ؟
قُلْنَا: الْأَظْهَرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا هُمُ الْإِخْوَةَ الَّذِينَ قَدْ تَوَلَّى عَنْهُمْ، بَلِ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدَّارِ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَخَدَمِهِ.
* بَقِيَ مِنْ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إنَّ بُلُوغَ يَعْقُوبَ فِي حُبِّ يُوسُفَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ الْعَظِيمِ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ كَانَ غَافِلًا عَنِ اللَّه، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّه أَحَبَّهُ وَمَنْ أَحَبَّ اللَّه لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّه تَعَالَى، وَأَيْضًا الْقَلْبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَّسِعُ لِلْحُبِّ الْمُسْتَغْرِقِ لِشَيْئَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِي حُبِّ وَلَدِهِ امْتُنِعَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي حُبِّ اللَّه تَعَالَى.